في غزة.. جمعيات خيرية تحاصرها إجراءات الاحتلال والسلطة

تعد الجمعيات الخيرية والأهلية الفلسطينية أحد أعمدة المجتمع المدني، وركناً أساسياً من أركان الكيانية الفلسطينية، ومنظومة المقاومة والصمود للشعب الفلسطيني، ولما لها من الأهمية عمد الاحتلال الصهيوني إلى التصعيد ضد الحياة الاقتصادية في قطاع غزة بكل أركانها؛ حتى لا تكون معيناً للتخفيف من معاناة الفلسطينيين في ظل الحصار المتواصل للعام الـ11 على التوالي.

 إحصائيات وأرقام

يبلغ عدد الجمعيات الخيرية في قطاع غزة، حسب آخر إحصائية صدرت على لسان السيد ثروت البيك مدير عام الجمعيات الأهلية بقطاع غزة، 846 مؤسسة أهلية خدمية مرخصة لدى وزارة الداخلية والوزارات المختصة.

ويظهر من خلال التوزيع الجغرافي للجمعيات على محافظات غزة الخمس التفاوت الواضح في أعدادها بالنظر إلى عدد سكان المحافظة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام والعناية التي توليها الفعاليات الشعبية تجاه الجمعيات والهيئات الأهلية.

مدينة غزة كان لها نصيب الأسد من العدد الإجمالي لتلك الجمعيات بما نسبته (52%) من عدد الجمعيات المسجلة، في حين أن المحافظة تشكل (34.6%) من عدد السكان، أي بمعدل جمعية لكل (1396) مواطنًا، فيما كانت نسبة الجمعيات في محافظة شمال غزة (15%)، وهي تشكل ما نسبته (19.59%) من عدد السكان أي بمعدل جمعية لكل (2777) مواطنًا، وفي محافظة الوسطى كان نسبة جمعياتها (12%) أما سكانها (14.52%)، بمعنى أن هناك جمعية لكل (2568) مواطنًا فيها، أما محافظة خانيونس فكانت الأعلى من حيث نسبة المواطنين لنسبة الجمعيات، فهي تشكل ما نسبته (12%) من عدد الجمعيات المسجلة في غزة وسكانها يشكلون (18.90%)، لذا فإن معدل الجمعيات فيها بلغ جمعية لكل (3272) مواطنًا، وفي رفح التي بلغت نسبة الجمعيات فيها (9%) والسكان (12.33%)، أي أن معدل الجمعيات بلغ جمعية لكل (2740) مواطنًا. 
لموازنة التشغيلية 
بلغ إجمالي إنفاق الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية حسب العام المالي الحالي مبلغاً وقدره (137,316,102$)، أي أن نصيب الفرد من إجمالي دخل الجمعيات والهيئات بلغ (83.5$)، حيث تركز أكثر إنفاق الجمعيات والهيئات المسجلة، على قطاع العمل الاجتماعي والإغاثي بأشكاله المختلفة، فيما توزع النصف الآخر بنسب متفاوتة على القطاعات الأخرى.

توزيع الجمعيات 
بلغ العدد الإجمالي للجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية المسجلة حتى الربع الأول من العام 2017م في محافظات قطاع غزة (846) توزعت على المحفظات الخمس على النحو التالي: غزة 468 جمعية، محافظة الشمال 116، خان يونس 95، الوسطى 93، فيما بلغ عددها في مدينة رفح 74 جمعية.

أسباب تفوق غزة في عدد الجمعيات الخيرية عن باقي المحافظات:
- تعد محافظة غزة مركزاً لباقي المحافظات الأخرى؛ ففيها مركز الحكم لقطاع غزة من وزرات وهيئات حكومية ومرافق وخدمات أساسية ومؤسسات دولية وأجنبية.
- الكثافة السكانية التي تحتلها المحافظة؛ حيث إن فيها ما نسبته (35%) من إجمالي سكان محافظات قطاع غزة.

توزيع الجمعيات الخيرية حسب قطاعات العمل:
تتنوع الجمعيات من حيث مجالات العمل التي تغطيها إلى العديد من القطاعات، التي تنطوي تحتها عدة أنشطة تخدمها، بحسب أهدافها التي وضعتها لنفسها في نظامها الأساسي، أو تلك التي أضافتها أو عدلتها خلال مسيرة عملها، لذا فإننا نجد الكثير من الجمعيات تعمل في مجالات عدة، اجتماعية، صحية، وتنموية.

حيث تتوزع الجمعيات الخيرية والإنسانية حسب قطاع العمل في محافظات قطاع غزة على النحو التالي:

يبلغ عدد الجمعيات الاجتماعية 389 جمعية، أما الجمعيات الطبية فقد بلغ عددها 40، وجمعيات الأمومة والطفولة 44، والجمعيات التعليمية 32، أما جمعيات ذوي الاحتياجات الخاصة 28، وجمعيات حقوق الإنسان 10 جمعيّات.

الجمعيات الاجتماعية صاحبة الحظ الأوفر عددًا تعمل في مجالات مختلفة مثل: رعاية الأسر الفقيرة والمهمّشة، ورعاية المسنّين، ورعاية الأحداث، وذوي الاحتياجات الخاصة، والتنمية الاجتماعية ورعاية الأيتام، والتدريب المهني للأطفال، وإيواء وتأهيل النساء المعنّفات، ورعاية الطفولة والأمومة، والإغاثة العاجلة والطوارئ. 

الجمعيات الأجنبية
يبلغ عدد فروع الجمعيات الأجنبية العاملة في محافظات غزة 88 فرعاً، حيث شهد عاما 2009 و2010 زيادة كبيرة في عدد الفروع التي سجّلت وصلت نسبتها (39.02%) من إجمالي عدد الفروع وذلك  لعاملين أساسيين:

- توافد عدد من الجمعيات للعمل في غزة بعد العدوان الصهيوني عليها في نهاية عام 2008، وهو ما شكل عامل جذب للعديد منها للقدوم والعمل فيها.

- إلزام الوزارة في غزة مع بداية العام 2009 فروعَ الجمعيات الأجنبية التي تعمل أو التي تريد العمل في محافظات غزة بتسوية أوضاعها وفقاً لأحكام القانون، وهو ما يترتب عليه بالضرورة الزيادة في عدد الجمعيات المسجلة بعد هذا التاريخ. 

قطاعات الأعمال التي تنفذها الجمعيات الأجنبية:
تنوعت أنشطة فروع الجمعيات الأجنبية على قطاعات عمل عديدة، وتشارك العديد منها بأكثر من قطاع وإن غلب على معظمها العمل في المجال الإغاثي، حيث عمل في هذا القطاع ما يزيد عن (91%) من فروع الجمعيات الأجنبية في محافظات غزة، تلاه القطاع الطبي باختلاف أنشطته (كالدعم النفسي أو العلاج الطبي أو تقديم معدات وتجهيزات) حيث كانت نسبة الفروع العاملة في هذا القطاع من إجمالي الفروع العاملة في محافظات غزة (63%).

النفقات التشغيلية للجمعيات الأجنبية:
بلغت قيمة مصروفات الجمعيات الأجنبية خلال الأعوام القليلة الماضية ما قيمته (90,576,771$) حسب فروع الجمعيات التي قدمت تقاريرها المالية، غطت جميع أوجه النشاطات التي نفذتها في محافظات غزة سواء أكانت مباشرة أو عبر جمعيات وسيطة أو شريكة محلية وأجنبية، بالإضافة إلى النفقات التشغيلية.

التحديات 

تواجه الجمعيات الخيرية في القطاع جملة من التحديات التي تتمثل في:

- المؤسسات الداعمة أصبحت تعاني عجزاً كبيراً في تمويل البرامج والمشاريع، وهناك عجز يزيد عن 60 بالمائة، وهذا ينذر بخطر كبير وتقاعس من الجهات المانحة، في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة، وهذا له تأثيرات خطيرة على حياة الإنسان وصحته في قطاع غزة.

- من الملاحظ في الفترة الأخيرة أن الاحتلال الإسرائيلي شنّ حرباً على العاملين في المؤسسات الدولية التي تقدم خدماتها لسكان قطاع غزة، من خلال اعتقالهم على معبر بيت حانون/ إيرز شمال قطاع غزة، واتهامهم بمساعدة "جهات معادية".

- وصل التضييق "الإسرائيلي" إلى مستوى الضغط على صانعي القرارات في الدول الأوروبية والغربية، والذي تسبب في إحجام المؤسسات الإنسانية الدولية عن تمويل المؤسسات والجمعيات الخيرية في غزة؛ خشية اتهامها بدعم حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

- المنظمات الأهلية الفلسطينية أصبحت أكثر ضعفاً في علاقتها بالمانحين، مع غياب النقد المباشر من المنظمات المحلية لمموليهم خوفاً من انقطاع التمويل؛ الأمر الذي ساهم في انعدام القدرة في التأثير على توجهات المانحين.

- الاحتلال الصهيوني منع -في إطار محاربة عمل المؤسسات الدولية- وصول مسؤولين كبار  ومقررين خاصين للأمم المتحدة وأعضاء برلمان إلى غزة، وذلك لإجبارها على إخضاع نشاطاتها للفحص الأمني، الأمر الذي لا ترضاه تلك المؤسسات؛ كونه يتعارض مع المعايير الإنسانية، ويمسّ جوهر تقديم الخدمات للمحتاجين.

- لم يقتصر عمل السلطة على تجفيف منابع العمل الخيري؛ بل لجأت سابقا ومن خلال بنك فلسطين إلى تجميد حسابات 32 مؤسسة خيرية عاملة في قطاع غزة العام الماضي، فيما عمد البنك إلى إرجاع مئات ملايين الدولارات إلى المتبرعين في الخارج ورفض استقبالها أو تسليمها للجمعيات التي كانت تعتزم صرفها على المشاريع الخيرية المعدة لها سلفا، ورفض فتح حسابات في البنوك للمؤسسات الجديدة، رغم أنها حاصلة على التراخيص اللازمة من الوزارات المعنية في غزة.

نماذج للتضيق 

خضعت المؤسسات الخيرية العاملة في قطاع غزة لحملة مضايقات توزعت بين الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية؛ بهدف ابتزاز القطاع المحاصَر للقبول بمواقف سياسية، ويمكن التطرق لأبرز النماذج من خلال:

• منظمة التعاون الإسلامي:
كشف مصدر دبلوماسي فلسطيني مطّلع، أن وزير الخارجية بحكومة التوافق في رام الله رياض المالكي طلب من الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي يوسف بن أحمد العثيمين إغلاق مكتب تنسيق العمل الإنساني التابع للمنظمة في قطاع غزة، وتحويل صلاحياته إلى مكتب المنظمة في رام الله.

حيث عرقلت السلطة وبتدخل من رياض المالكي مشروعا إغاثيا بقيمة مليون دولار تبرعت به حملة خادم الحرمين الشرفين لإغاثة الشعب الفلسطيني وفق اتفاق مع مكتب المنظمة بغزة؛ حيث اشترطت أن يحوَّل المبلغ إلى رام الله، ومن ثم يتولى مكتب رام الله التنفيذ، وهو ما تسبب بعرقلة المشروع حتى اللحظة".

كما أن السلطة كثفت من ضغوطها على المنظمة مؤخراً لاعتبارات تتعلق بادعاءات "الانتماء لفصيل فلسطيني، وبأن المكتب يُعزز الانقسام، وبأن المال المسيّر عبر المكتب يذهب دون رقابة السلطة".

ولفت محمد حسنة، مدير فرع المؤسسة في غزة، إلى أن مكتب المنظمة بغزة التزم مبدأ الشفافية وعدم التمييز بين المواطنين، وكانت خدماته تُقدم للجميع دون استثناء وفق الأموال المتوفرة، بل إن المكتب قدم مساعدات مباشرة عبر شخصيات ومؤسسات سمّاها ديوان الرئاسة الفلسطيني في المحافظات الجنوبية، وشاركوا في العديد من الفعاليات.

ولاقى قرار إغلاق مكتب المنظمة بغزة استهجانا فلسطينيا واسعا، خصوصا في شريحة الأسر التي تعتمد على دعم المكتب في تحسين أوضاعها المعيشية، وفي ظل تصاعد الحصار الإسرائيلي والسلطة على غزة.

• مؤسسة الرؤية:
ومن بين التضييق الذي مارسه الاحتلال على المؤسسات الدولية، اعتقال مدير مؤسسة الرؤية العالمية في غزة محمد الحلبي أثناء سفره عبر معبر بيت حانون، حيث اتهمه الاحتلال في الرابع من أغسطس الماضي، بتحويل مساعدات نقدية وعينية بملايين الدولارات لحركة حماس، وهو ما نفاه.

وأكدت المؤسسة أنها "تلتزم بإجراءات تفصيلية وآليات للرقابة؛ للتأكد من أن الأموال التي يعهَد بها إليها يتم إنفاقها وفقاً للمتطلبات للقانونية المعمول بها"، مبينة أن برامجها في غزة تخضع باستمرار لتدقيق داخلي وخارجي وتقييمات من جهات مستقلة، بالإضافة لخضوعها للعديد من الضوابط الداخلية.

وأضافت "استناداً إلى المعلومات المتاحة لنا في هذا الوقت، ليس لدينا سبب للاعتقاد بأن هذه الادّعاءات صحيحة".

• مؤسسة تيكا:
اعتقل الاحتلال أيضاً، محمد مرتجى منسق مؤسسة تيكا التركية في غزة خلال سفره عبر حاجز بيت حانون، موجهة تهما من قبيل "العمل مع حركة حماس، وعضوية في منظمة معادية، والتواصل مع جواسيس أجانب، وإعداد مؤامرة للإضرار بأمن الدولة".!

• جمعية أطفالنا:
توقفت مشاريع تأهيل ودمج المعاقين سمعيا، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وتراجع دعم المؤسسات الإنسانية الدولية للجمعية.

وتعيش شريحة واسعة من الصمّ ظروفا إنسانية قاسية جراء توقف مشاريعها الإنتاجية بسبب الحصار المفروض على غزة، وعجز المؤسسات الأهلية عن مساعدتهم بعد اضطرار مؤسسات إنسانية دولية إلى وقف خدماتها تجنباً للتضييق وملاحقات الاحتلال "الإسرائيلي" عليها.

.....................................................................
المراجع:
- دليل الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية المحلية، وزارة الداخلية الفلسطينية.
- دليل الجمعيات الأجنبية في قطاع غزة، وزارة الداخلية الفلسطينية.
- التضييق على المنظمات الدولية يفاقم أوضاع غزة، موقع الجزيرة نت.
- بعد إغلاق مكتب التعاون الإسلامي "نوافذ الأمل" تغلق في وجه غزة على أبواب "رمضان"، وكالة الرأي الإخبارية.
- فقراء غزة لا يرغبون بإغلاق المؤسسات الخيرية، موقع غزة أون لاين.
- كيف نقلت "إسرائيل" الحرب للمنظمات الإغاثية الدولية في قطاع غزة المحاصر؟، مركز روابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية.
- "المؤسسات الدولية" عنوان حرب "إسرائيل" الجديدة على غزة، موقع "ن بوست".